180 مركزاً للشباب العاطلين: هل تستورد بريطانيا النموذج الهولندي لإنقاذ جيل NEET؟
تابعونا على:

العمل

180 مركزاً للشباب العاطلين: هل تستورد بريطانيا النموذج الهولندي لإنقاذ جيل NEET؟

نشر

في

504 مشاهدة

180 مركزاً للشباب العاطلين: هل تستورد بريطانيا النموذج الهولندي لإنقاذ جيل NEET؟

لا تظهر أزمة الشباب العاطلين في بريطانيا على هيئة رقم فقط. الرقم مهم، لكنه لا يكفي. خلفه أعوام أولى تضيع من العمر، وخروج مبكر من التعليم، وبحث متعثر عن عمل، ثم مسافة تزداد بين الشاب والمؤسسات التي كان يفترض أن تمسك بيده قبل أن يبتعد.

تسمي بريطانيا هذه الفئة باسم NEET، أي الشباب الذين لا هم في التعليم، ولا في العمل، ولا في التدريب. وفي الربع الأول من عام 2026 وصل عددهم، وفق مكتب الإحصاءات الوطنية، إلى 1.012 مليون شاب وفتاة بين 16 و24 عاماً، أي 13.5 في المئة من هذه الفئة العمرية. هنا لم يعد الأمر خللاً عابراً في سوق العمل. صار مسألة اجتماعية طويلة المدى.

الحكومة البريطانية أعلنت في 12 حزيران 2026 خطة لافتتاح نحو 180 مركزاً جديداً للشباب خلال العامين المقبلين، ضمن تصور يقول إنه يستلهم النموذج الهولندي المعروف باسم Jongerenpunt، أو نقاط الشباب. الفكرة تبدو بسيطة. مكان واحد يضم دعم العمل والتعليم والرعاية والسكن والصحة النفسية. لكن بريطانيا لا تفتقر غالباً إلى العناوين. مشكلتها في تحويل العنوان إلى طريق فعلي يصل إليه الشاب قبل أن يفقد ثقته بالطريق كله.

جيل NEET بين رقم كبير وخروج هادئ من النظام

جيل NEET ليس كتلة واحدة. وهذا أول ما ينبغي الانتباه إليه. فالبيانات البريطانية تفرق بين شاب عاطل عن العمل يبحث عنه، وشاب غير نشط اقتصادياً لا يعمل ولا يبحث. الفئة الأولى بلغت نحو 400 ألف في الفترة من كانون الثاني إلى آذار 2026، بينما بلغت الثانية 613 ألفاً. الفارق بينهما ليس إحصائياً فقط، بل سياسي واجتماعي أيضاً.

الشاب العاطل ما زال على تماس مع سوق العمل، ولو من موقع ضعيف. يرسل طلبات، ينتظر مقابلات، يراجع إعلاناً أو دورة تدريبية. أما غير النشط اقتصادياً فقد يكون أبعد من ذلك. قد يكون منهكاً نفسياً، أو مصاباً بمرض طويل، أو يعيش اضطراباً عائلياً، أو فقد الثقة بعد سلسلة إخفاقات صغيرة. لذلك لا تكفي له ورشة قصيرة عن السيرة الذاتية. يحتاج أحياناً إلى أن يعود أولاً إلى دائرة الحياة المنظمة.

من هنا تأتي فكرة المراكز الجديدة. الحكومة تقول إنها تريد نقل الدعم إلى الأماكن التي يوجد فيها الشباب أصلاً، مثل النوادي الرياضية والمكتبات والمراكز المجتمعية، بدلاً من انتظارهم في مكاتب رسمية بعيدة عنهم نفسياً ومكانياً. إذا نُفذت الفكرة كما يجب، فهي تعترف بأن المشكلة لا تُحل من خلف مكتب واحد. لكن الاعتراف شيء، وبناء منظومة قادرة على المتابعة اليومية شيء آخر.

الأمر لا يتعلق بالعمل فقط. الحكومة نفسها أشارت إلى أن عدد شباب NEET زاد بنحو 250 ألفاً منذ عام 2021، وأن أكثر من نصفهم يذكرون وجود حالة صحية. هذا يبدل طبيعة النقاش. حين يدخل المرض والصحة النفسية إلى قلب الأزمة، تصبح سياسة التوظيف وحدها ناقصة. المطلوب ليس دفع الشاب إلى أي وظيفة بسرعة، بل بناء مسار يعيده إلى القدرة على التعلم والعمل والاستمرار.

النموذج الهولندي: خدمة قريبة أم نظام كامل؟

تقدم الحكومة البريطانية التجربة الهولندية كمرجع. في هولندا تبلغ نسبة NEET بين من هم في سن 18 إلى 24 عاماً نحو 4.9 في المئة، مقارنة بنسبة بريطانية تتجاوز 15 في المئة وفق ما عرضته الحكومة. وبحسب تقدير نقلته عن مؤسسة Resolution Foundation، فإن وصول بريطانيا إلى المعدل الهولندي كان سيعني وجود 600 ألف شاب إضافي في العمل أو التعليم.

هذا الرقم جذاب سياسياً. لكنه يحمل تحذيراً أيضاً. الفارق بين البلدين لم يصنعه مركز خدمات وحده. التجربة الهولندية تقوم على شبكة أوسع، فيها تعليم مهني أقوى، وبلديات تتابع الشباب مبكراً، وعلاقة أكثر انتظاماً بين المدرسة وسوق العمل. تقارير بريطانية قارنت بين الجانبين تشير إلى أن نحو 35 في المئة من الشباب في هولندا يسلكون مسارات تقنية ومهنية، مقابل 22 في المئة في بريطانيا. كما أن أكثر من نصف الشباب الهولنديين يملكون خبرة عمل عند سن 19 عاماً، بينما تقل النسبة في بريطانيا عن واحد من كل خمسة.

المعنى واضح. هولندا لا تنتظر حتى ينقطع الشاب ثم تبحث عنه. تحاول أن تمنع الانقطاع من الأصل، أو تقصر مدته. المدرسة، البلدية، صاحب العمل، والخدمة الاجتماعية تتحرك ضمن دائرة واحدة نسبياً. لذلك يصبح مركز الشباب نقطة اتصال داخل نظام، لا بديلاً عن النظام.

إذا استوردت بريطانيا الشكل وحده، ستضيف مبنى جديداً إلى مبان كثيرة. وإذا حاولت أن تفهم المنطق، فقد تكتشف أن المسألة تبدأ قبل المركز بسنوات. تبدأ في المدرسة الثانوية، في جودة الإرشاد المهني، في احترام التعليم التقني، في قدرة صاحب العمل على استقبال متدرب، وفي وجود بيانات تسمح للسلطة المحلية بمعرفة من خرج من التعليم ولم يعد إلى شيء.

180 مركزاً لا تنقذ جيلاً إذا بقيت منفصلة

تقول الحكومة إن المراكز الجديدة ستفتتح تدريجياً، وأن العدد الإجمالي سيصل إلى 360 مركزاً بحلول عام 2029. كما تضع الخطة ضمن استثمار أوسع يصل إلى 2.5 مليار جنيه إسترليني خلال ثلاث سنوات، مع هدف دعم قرابة مليون شاب، وتوفير ما يصل إلى 500 ألف فرصة للكسب والتعلم. وتتضمن الحزمة حوافز للتدريب المهني، ومنحة قدرها 2000 جنيه لكل موظف جديد بين 16 و24 عاماً توظفه شركة صغيرة، إلى جانب إعفاءات في مساهمات التأمين الوطني لمعظم العاملين دون 21 عاماً والمتدربين دون 25 عاماً.

هذه أدوات مفيدة، لكنها لا تكفي وحدها. المال يستطيع فتح أبواب، لكنه لا يضمن أن يدخل منها من انقطع منذ وقت طويل. والمركز يستطيع جمع الخدمات، لكنه لا يخلق الثقة تلقائياً. لذلك سيكون معيار النجاح عملياً لا خطابياً. هل سيأتي الشباب فعلاً؟ هل ستتبادل الجهات بياناتها من دون أن تضيع المسؤولية؟ هل سيجد الشاب فرصة عمل أو تدريباً بعد الجلسة الأولى والثانية؟ وهل سيبقى هناك من يتابعه بعد أن يبدأ، لا فقط قبل أن يبدأ؟

مجلس العموم عرض في موجز خاص أن ضمان الشباب يتضمن وظائف مدفوعة لمدة ستة أشهر لبعض الفئات، وجلسات دعم مكثفة لمطالبي الائتمان الشامل، وأماكن في التعليم الإضافي لمن يخرجون من المدرسة دون خطة بعد سن 16 أو 17 عاماً، إضافة إلى توسيع التدريب العملي والخبرة المهنية. هذه التفاصيل مهمة لأنها تنقل السياسة من الوعود العامة إلى أدوات قابلة للقياس. لكنها ستصطدم بالسؤال نفسه. من ينسق؟ ومن يحاسب؟

هناك طرف لا يمكن تجاوزه، وهو صاحب العمل. من دون شركات مستعدة لاستقبال الشباب، وتدريبهم، وتحمل بطء البداية، ستبقى المراكز قادرة على النصيحة أكثر من قدرتها على الإدماج. سوق العمل البريطاني نفسه تغير. الوظائف الأولى صارت أكثر هشاشة في قطاعات، وأكثر اعتماداً على التقديم الإلكتروني والعلاقات والخبرة السابقة. والشاب الذي لا يملك خبرته الأولى يجد نفسه مطالباً بها قبل أن يحصل عليها.

لذلك تبدو الخطة البريطانية أقرب إلى اختبار إداري واجتماعي في آن واحد. إذا عملت المراكز كواجهات محلية لخدمات موجودة أصلاً، فلن يتغير الكثير. وإذا تحولت إلى نقطة ربط حقيقية بين التعليم والرعاية والعمل والبلديات وأصحاب العمل، فقد تصبح بداية مختلفة. ليست معجزة، لكنها بداية.

الخلاصة أن 180 مركزاً للشباب العاطلين لا تكفي لإنقاذ جيل NEET ما لم تكن جزءاً من نظام أوسع. النموذج الهولندي لا يُنقل كقطعة أثاث من بلد إلى آخر. يُفهم من داخله، ثم يُعاد بناؤه وفق الشروط المحلية. بريطانيا تحتاج إلى مركز قريب، نعم، لكنها تحتاج أكثر إلى مدرسة لا تفلت الطالب، وتعليم مهني لا يُعامل كخيار ثان، وصحة نفسية لا تصل متأخرة، وسوق عمل يمنح فرصة أولى حقيقية.

الرقم 1.012 مليون ليس قدراً. لكنه أيضاً ليس رقماً يهبط بمجرد إعلان خطة. ما سيحسم الأمر هو القدرة على الوصول إلى الشاب قبل أن يعتاد الغياب. هناك تبدأ السياسة الجدية. وهناك فقط يمكن أن يصبح استيراد النموذج الهولندي أكثر من استعارة إعلامية.

اقرأ أيضاً: لويسهام ولامبث والرمزية الحضرية: كيف فقد العمال مدناً كانت تبدو مضمونة؟

مصر تودع المونديال والجدل يبقى .. هل أنقذ التحكيم الأرجنتين؟ وما علاقة مارادونا؟ 
رياضة22 ساعة منذ

مصر تودع المونديال والجدل يبقى .. هل أنقذ التحكيم الأرجنتين؟ وما علاقة مارادونا؟ 

كاريكاتير: خبر عاجل وطغيان الشريط الأحمر
سوشيال ميديا23 ساعة منذ

كاريكاتير: خبر عاجل وطغيان الشريط الأحمر

الأمن الغذائي في بريطانيا تحت ضغط المناخ.. ماذا يعني ذلك للجالية العربية؟
المعيشة23 ساعة منذ

الأمن الغذائي في بريطانيا تحت ضغط المناخ.. ماذا يعني ذلك للجالية العربية؟

مطاعم لندن الجديدة… تجارب تستحق أن تضعها في قائمة زياراتك
الحياة في بريطانيايومين منذ

مطاعم لندن الجديدة… تجارب تستحق أن تضعها في قائمة زياراتك

فواتير تتصاعد وطاقة تتغير.. هل يصبح التحول الأخضر طوق نجاة للأسر البريطانية؟
المعيشةيومين منذ

فواتير تتصاعد وطاقة تتغير.. هل يصبح التحول الأخضر طوق نجاة للأسر البريطانية؟

الثلاثي الصعب في بريطانيا: الشيخوخة والصحة والدفاع يضغطون على المالية العامة
سياسةيومين منذ

الثلاثي الصعب في بريطانيا: الشيخوخة والصحة والدفاع يضغطون على المالية العامة

"البوابة الزمنية العاشرة".. لماذا عادت إلى الواجهة مع الحرب على إيران؟
اخترنا لكميومين منذ

“البوابة الزمنية العاشرة”.. لماذا عادت إلى الواجهة مع الحرب على إيران؟

"ممنوع الموت" في هذه المدن تحت طائلة المحاسبة!
منوعات3 أيام منذ

“ممنوع الموت” في هذه المدن تحت طائلة المحاسبة!

مبيعات السيارات الأقوى منذ 2019: هل تقود المركبات الكهربائية تعافي السوق البريطانية؟
مال وأعمال3 أيام منذ

مبيعات السيارات الأقوى منذ 2019: هل تقود المركبات الكهربائية تعافي السوق البريطانية؟

مونديال 2026 يؤثر على المدارس في بريطانيا!
رياضة3 أيام منذ

مونديال 2026 يؤثر على المدارس في بريطانيا!
















X