غيابٌ لعلامات تجارية وإغلاقاتٌ واسعة، هكذا يبدو حال قطاع التجزئة في المملكة المتحدة، فيما تتباين التحليلات حول الأسباب، فالبعض يراها انعكاساً للضغوط التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، إلى جانب ارتفاع تكاليف التشغيل، كما زادت موجات الحر التي شهدتها البلاد من حدة الأزمة.
فيما يربطها آخرون بالتحول الذي يشهده شكل السوق وسلوك المستهلكين عموماً، فقد بات العديد من البريطانيين يتجهون إلى التسوق الإلكتروني، وهذا ما خفف الطلب على المتاجر التقليدية.
ولكن يبدو أن لكل قاعدة استثناء، كما يقولون، وبلدة أوتلي البريطانية (Otley) السوقية خير مثال على ذلك، حيث تخالف الاتجاه السائد والصورة السوداوية التي ترافق حال قطاع التجزئة البريطاني، ففي الوقت الذي تواجه فيه شوارع تجارية بريطانية موجة واسعةً من الإغلاقات، تواصل هذه البلدة التاريخية جذب المتسوقين والحفاظ على حيوية متاجرها ونشاطها، لدرجة أن معدل الشغور فيها يقارب نصف المتوسط الوطني.
بلدة أوتلي البريطانية تخالف الاتجاه السائد
على الرغم من إعلان شركات كبرى إغلاق عدد كبير من فروعها بشكل نهائي، تبرز أوتلي البريطانية كنموذج لصمود الشوارع التجارية، وتعدُّ بلدةً سوقية تاريخية، تقع في وادي وارفيديل السفلي (Lower Wharfedale Valley)، على بعد 13 ميلاً شمال غرب وسط ليدز (Leeds)، كما تقترب من منتزه يوركشاير ديلز الوطني (Yorkshire Dales National Park).
إلى جانب أهميتها التجارية، تتمتع أوتلي بفضل موقعها المميز بأهمية جغرافية وتاريخية كبرى، حيث تحتفل العام المقبل بالذكرى 800 لحصولها على ميثاق السوق الأصلي، الذي سبق منح مدينة ليدز ميثاقاً مماثلاً بقرون.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من الجذور التاريخية العريقة للبلدة، فإنها تتعدى الطابع التاريخي، لتضجّ بالحياة والحركة التجارية، وهذا ما يترجمه حضور متاجرها المتنوعة، مثل متاجر المشروبات والنباتات ومتاجر الكتب وغيرها الكثير.
بالتالي، تمتلك بلدة أوتلي البريطانية مقومات تساعدها في الحفاظ على صمود قطاع التجزئة فيها، منها تنوع متاجرها المستقلة وقوة مجتمعها المحلي، وصولاً إلى فعالياتها وأنشطتها، وما تضمه من مطاعم ومقاهٍ، أي أن زيارتها تتعدى حدود التسوق.
قطاع قوي من متاجر التجزئة المستقلة
دون مزيد من الإطالة، ندخل في لبّ موضوعنا، الذي يتمحور حول صمود متاجر أوتلي رغم التحديات التي يواجهها قطاع التجزئة في البلاد، ولعلّ ما يميز بلدة أوتلي البريطانية امتلاكها قطاعاً قوياً من متاجر التجزئة المستقلة، حيث تمثل نحو 75% من متاجر شارعها الرئيسي، لتسجل بذلك زيادةً قدرها 14 نقطةً مئوية عن المتوسط الوطني البالغ 61%، وذلك وفقاً لأحدث مسح لأوتلي.
بالإضافة إلى ذلك، وصل معدل المحال الشاغرة في البلدة إلى أدنى مستوياته، فوفقاً لتقارير محلية لا تتخطى نسبة الشغور فيها عتبة 8%، مقارنةً بنحو 13 و14% لمتوسط شغور الشوارع التجارية في بريطانيا عموماً، أي أن نسبة الشغور أقل بشكل ملحوظ من المتوسط الوطني.
ووفقاً لما أفاد به أصحاب متاجر في البلدة، فإن العملاء الذين يقصدون البلدة للتسوق يحصلون على عدة ميزات في خيار واحد، أي كما يقول المثل (يضربون عصفورين في حجر واحد)، حيث يجمعون في زيارة واحدة بين التسوق والحصول على النصائح والتجربة الشخصية والتواصل الاجتماعي.
وهذا ما يدعو إليه العديد من المحللين، ففي ظل التوجه المتزايد نحو الإنترنت، تزداد الحاجة إلى جذب المتسوقين للمراكز التجارية التقليدية، وهو ما يمكن تحقيقه عند تحويل مراكز البلدات إلى أماكن تجمع بين التجارة والسكن والترفيه والخدمات والمجتمع، أي هناك ضرورة ملحة لاعتماد أساليب جديدة لجذب الزوار.
بلدة أوصى بها الجميع
إعلامياً، اشتُهِرت أوتلي بشكل أوسع بعد اتخاذها موقعاً لتصوير مسلسل إيمرديل (Emmerdale)، فقد ظهرت خلال العمل العمل على أنها البلدة الخيالية هوتون (Hotton).
علاوة على ذلك، فقد تصدرت الأخبار الوطنية، بعد بروزها كأول بلدة بريطانية تحصل على نسبة تصويت 100% في استطلاع رأي أجرته مؤسسة بيبول آند بليسيز إنسايت (People & Places Insight)، حيث أوصى جميع المشاركين فيه والذين يبلغ عددهم 651 بزيارة أوتلي، فيما بيّن 26% منهم أن متاجرها المستقلة هي عامل الجذب الرئيسي، إلى جانب حدائقها النهرية ومعالمها وأسواقها.
إذاً، يبدو أن بلدة أوتلي البريطانية تتحدى صعوبات قطاع التجزئة في البلاد، بفضل مقوماتها المتنوعة والتي نجحت من خلالها في جذب العملاء والزوار على حدٍّ سواء، فهي تمتلك مزيجاً متنوعاً من المتاجر المستقلة والفعاليات والأنشطة فضلاً عن المقومات المجتمعية.
اقرأ أيضاً: تجار التجزئة أمام إغلاق مزيد من المتاجر عام 2025