أخبار الفن
Round 13 .. شعور نبع من قلب المخرج وعبر إلى قلب المتفرج
نشر
منذ 4 أشهرفي
1٬340 مشاهدة
By
Orwa Dar
الكاتبة: منية كواش
يعدّ فيلم “الراوند/الروندة 13” (Round 13/الجولة 13) للمخرج التونسي محمد علي النهدي من الأعمال السنيمائية التحفيزية، فقد عالج موضوع الصراع من أجل البقاء والخوف من الفقد وصور صدمة أم وأب عند اكتشافهما لمرض طفلهما الوحيد بمرض السرطان في مرحلته الأخيرة، وجسّد توترهما النفسي، وكيف تقبل كل منهما الخبر بطريقته الخاصة ووفق قدراته النفسية. كما عبر تعبيراً بصرياً عما تكبداه من عناء نفسي وبدني ومالي وما واجههما في رحلتهما مع مرض طفلهما من صعوبات تنقّل وعناء انتظار طويل في طوابير المستشفى ومن بحث مطّرد عن دواء بات مفقودا.
الذاتي في الفيلم أضفى صدقاً على الأحداث
أراد المخرج محمد علي النهدي أن يكون صادقاً مع نفسه ومع جمهوره فاستلهم موضوع فيلمه “الراوند/الروندة 13” من تجربته الشخصية، من مرض والدته بداء “الألزهايمر” وتأثيره على نفسيته وعلى وتيرة حياته. فعرض تجربته الشخصية على المتفرج، مقتنعا أنها تجربة جماعية مشتركة ، تتجاوز شخصه وتترجم أيضا من معاناة غيره. استمدّ منها أفكار فيلمه فعبّر في هذا الفيلم عن مشاعره وأحاسيسه وجسّد مواقفه وردود أفعاله إزاء مرض والدته وكيف تقبل فكرة الفقد ، وصنع منها حياة جديدة وتعامل معها بطريقة إيجابية ، وقاوم صوت الخوف والتذنيب بحضوره الدائم داخل عائلته وبحنوه ورعايته لوالدته.
لم يكن اعتماده على تجربته الذاتية تمشياً اعتباطياً بل كان مدروساً و مقصوداً لخدمة الفيلم ولرواجه، فقد منح بها الفيلم عمقاً وحرارة إنسانية ، شدّت انتباه المتفرج، وجعلته يشعر بأنه أمام وقائع حقيقية ومشاعر طبيعية وردود أفعال تشبه ردود أفعاله.
وحتى يلتزم محمد علي النهدي بمبدأ الصدق في الفيلم، سعى للالتصاق بالواقع. فصوّر الأحداث من أماكنها الأصلية وفي فضاءاتها الحميمية والعمومية وعلى حالتها الطبيعية دون أن يجمّلها أو يبالغ فيها. متجنباً الأستوديوهات المغلقة، مستمداً الأحداث من محيطه ومن ماضيه وحاضره، فعاد بذاكرته إلى طفولته واختار حي” الملاسين ” المتاخم للعاصمة التونسية، فهو حي قريب إلى قلبه إذ كانت جدّته تقطن به، وزاره مراراً فخبر شوارعه وفضاءاته واختلط بساكنيه. لذلك اختاره ليصور فيه أحداث فيلمه.

معرفته بالمكان ساعدته على التماهي مع الواقع وإعادة تشكيله دون تشويهه، ومكّنته من التوفيق في اختيار مستلزمات الفيلم من ديكور وملابس وإضاءة وموسيقى ،فتناسبت في أغلبها مع ما هو متداول ومعمول به في هذا الحي الشعبي. وجعلت أحداث الفيلم تبدو قريبة من روحه وثقافته.
اقتنص أيضاً من مجريات الحياة اليومية ومن تفاصيلها الصغيرة مشاهد حية، وعرضها على المتفرج كما هي دون أن يرفقها بحوار تفسيري، فجعلها تنطق دون كلام، لتكشف عن المعاناة اليومية للأسر في الحي الشعبي، وما يواجهونه من مشاكل وصعوبات أثناء المرض لعدم تمتعهم بالتغطية الاجتماعية اللازمة.
بدت أحداث الفيلم معبّرة عن الواقع وأشعرت المتفرج أنه أمام عالم حي يشبه عالمه. ودفعته للتأمل والتساؤل في مآل بعض النقائص والاختلالات الموجودة في المنظومة الصحية والاجتماعية.
الممثل المناسب في الدور المناسب
ليرسل المخرج للمتفرج رسائل صادقة، اختار التعاون مع ممثلين محترفين، يتلاءم مظهرهم وجذورهم مه الأوساط الشعبية التونسية . فاعتمد على الممثلة المحترفة عفاف بن محمود والممثل السينمائي والمسرحي حلمي الدريدي، لتشابه ملامحهما مع ملامح الشخصيتين في الفيلم، ولتلاؤمهما مع طبيعة ومتطلبات شخصيات الفيلم ،و لما يتميزان به من مؤهلات فنية وأدائية. فعبرا عن معاناة ووجع أبوين محدودي الدخل لكنهما متحابين. جاء أداؤهما طبيعياً وعفوياً، وجسدا سلوكيات ساكني الحي الشعبي ونمط العيش فيه بحرفية وإحساس داخلي صادق وقوي، فبرزا كوجهين مألوفين، لا غريبين عن هذا الحي، وأبهرا المتفرج وأقنعاه بأنه يشاهد أحداثاً واقعية وحقيقية.

طفل يمثل لأول مرة فيبهر المتفرج
ليحافظ المخرج على محاكاته للواقع، خاطر واعتمد على ممثل غير محترف، اختاره من بين 300 طفلاً لتوافق تركيبة جسمه النحيل وملامحه مع شخصية الطفل في الفيلم، ولأنه من ساكني الحي الذي صور في أماكنه و فضاءاته أحداث الفيلم.
راهن النهدي على الطفل “الهادي بن جبورية “ومنحه دوراً بطولياً، في حين لم يسبق له أن مثّل أو وقف أمام الكاميرا. نجح في رهانه، فقد أبدى الطفل قدرة كبيرة على الاستيعاب ومثل بفطرته لا بخبرته، وانسجم مع دوره لعفويته وبراءته. فانصهر في الدور وكأنه ممثل محترف، فأرسل للمتفرج صورة حقيقية عن معاناة طفل مريض، من عائلة ذات دخل محدود ،يقطن بحي شعبي تنقصه الخدمات الاجتماعية والصحية.
أثّر الطفل بأدائه المتقن في المتفرج، فتعاطف معه وشعر بالقرب منه وكأنه فرد من أفراد عائلته.

“الجولة 13″ فرصة للتعافي
نهل محمد علي النهدي أيضاً من حنينه، فشبّه الصراع من أجل البقاء بالصراع في حلبة الملاكمة مستمداً الفكرة من شغفه برياضة الملاكمة منذ طفولته، واستعار منها نظامها القائم على 12 جولة من المصارعة وسط الحلبة، مضيفاً إليها جولة أخرى يراها ضرورية لمصارعة المرض بالتماسك العائلي والإحاطة الشديدة بالمريض.
منح الممثل “حلمي الدريدي” دور أب يتقن رياضة الملاكمة ،و يتمتع بلياقة وصحة بدنية عالية وحقق انتصارات عديدة في الحلبة، لكنه ينهزم في صراعه مع مرض طفله ولا يتحمل وقع الصدمة، فينهار نفسياً ويصرخ ويصيح خوفاً من الفقد.
يتقوقع حول نفسه ويهرب من المواجهة، تاركاً الغضب يسيطر على عقله وينعكس على سلوكه فأصبح قاسياً على من حوله وعلى نفسه ساعياً إلى تدمير ذاته. أخبر المتفرج من باب مجرّب ملتاع بمرض والدته، متابع لرياضة الملاكمة، أن مصارعة المرض أشد ضراوة من المصارعة في الحلبة. وأن هشاشة الإنسان أمام مرض شخص عزيز عليه لا تقاوم بمخزونه البدني ومؤهلاته الرياضية، وقد نجح الممثل حلمي الدريدي في تقمص هذا الدور وذاب فيه فبدا أباً حقيقياً يصدم بخبر مرض طفله من صلبه، فانبهر المتفرج بأدائه.
الأم في الفيلم هي أم المخرج والمتفرج
تمادياً في اعتماده على ذاته، انحاز المخرج إلى الأم وصورها في صورة امرأة قوية تواجه الألم بصبر ورصانة، منطلقاً من وعيه الجماعي، مسقطاً عليها مثالية تتجاوز قدراتها الإنسانية ، طالبا منها أن تضحي باستقرارها النفسي وأن تكتم ألمها داخلها وتقاوم في صمت ولا تسمح لدموعها أن تنهمر، حفاظاً على نفسية طفلها حتى لا يتنبه لمعاناتها.
أثقل أيضاً كاهل الممثلة عفاف بن محمود، فكلفها بدورين في نفس الوقت: دور أم مجروحة، هي في ذهنه امرأة قوية فوضعها أمام تجربة أدائية وإنسانية معقدة، فتطلب منها الدور قوة جسدية ونفسية كبيرة، وتجرداً تاماً من شخصيتها الحقيقية، إذ أرغمها على كتم صوتها وكبت مشاعرها وفرض عليها أن تلتزم بالصمت ولا تنطق ببنت شفة ليتكلم صمتها عوضاً عنها ويعبر عن انكسارها ولوعتها.
ورغم صعوبة الدور وتعقيداته نجحت الممثلة عفاف بن محمود في تجسيد دور هذه الأم المكلومة، ورمز التضحية. فانصهرت في الدور بكل جوارحها، وأثرت في المتفرج بوقفتها الحازمة وحركت مشاعره وذكرته بوالدته وعادت به إلى حضنها، فانبهر بحضورها وأدائها.
الصمت في الفيلم كان له وقع أعمق من الكلمة
اختار المخرج اللغة البصرية وفضّلها على لغة الكلام، لقدرتها الكبيرة على تجسيد الصراع الإنساني والتعبير عن الأحاسيس والمشاعر. فوظّف الصمت والفراغ بوصفهما عنصرين بصريين قويين، قادرين على التعبير عن التوتر والألم الداخلي بعمق يتجاوز عمق الكلمات المنطوقة. ففرض على شخصيات الفيلم أن تتألم دون أن تتكلم، لتعبّر بصمتها وتقاسيم وجوهها ونظراتها وحركاتها عن ألمها وانكسارها. ودفع بالأم إلى التعبير عن حرقتها على طفلها تعبيراً داخلياً، فأشعرت المتفرج بأن في داخلها جرحاً عميقاً لا تفيه الكلمات حقه، ولا يمكن لمظاهر الحزن الخارجية والمرئية أن تعبّر عنه وتنصفه، مهما اعتمدت على الولولة والعويل. فلامست الأم بصمتها مشاعر المتفرج، وأثارت تساؤلاته، وجعلته يتعاطف معها ويشاركها حزنها.
الجمهور وجد نفسه في الفيلم
وجد فيلم «الراوند/الروندة 13» صدى عالمياً لتركيزه على المشاعر الإنسانية المشتركة، فعبر الثقافات وتجاوز اللغات، مستقطباً اهتمام متفرج متنوع وموجود في أماكن مختلفة من العالم، إذ نقل إليه مشاعر صادقة، ووضعه أمام شخصيات تشبهه في قلقه النفسي، وفي خوفه من الفقد، وفي صراعه من أجل البقاء. فأيقظ إنسانيته، وحرّك حواسه، وأعاده إلى ذاته وإلى ذكرياته، فأثّر فيه إلى أن أبكاه بصوت عال، وكان فرصة نفّس فيها عما بداخله وعبّر فيها عن عواطفه المكبوتة.
نجح الفيلم لانطلاقه من تجربة شخصية ذات بعد إنساني مشترك، ولملامسته الواقع باستلهامه من محيط المخرج وذاكرته، وبالاعتماد على الممثل المناسب، وبمعالجته موضوع الخوف من الفقد برؤية فنية عبّرت عن المشاعر والوجع تعبيراً صادقاً ومؤثراً. فطغت على الفيلم عاطفة إنسانية قوية، نبعت من قلب المخرج ومن إحساسه بالوجع، وجسّدها الممثل بأدائه العفوي والصادق، فعبرت مباشرة إلى قلب المتفرج وأثرت فيه، ليندمج في الفيلم ويتجاوب معه، متأثراً حدّ البكاء.
الخلفية
تحصّل فيلم «الراوند/الروندة 13» على الجوائز والتكريمات الآتية:
- جائزة أحسن فيلم في مهرجان الفجر السينمائي في إيران، في دورته لسنة 2025.
- تم اختياره من أفضل أفلام سنة 2025 خلال عرضه في مهرجان أيام قرطاج السينمائية لسنة 2025.
- تُوّجت الممثلة عفاف بن محمود بجائزة أفضل أداء تمثيلي عن دور الأم في هذا الفيلم، خلال مهرجان القاهرة السينمائي لسنة 2025.
- فاز الممثل حلمي الدريدي بجائزة أفضل أداء تمثيلي عن دور الأب في فيلم «الروندة 13»، خلال مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة، في دورته الأخيرة لسنة 2026.
- عُرض الفيلم في دول عديدة، من بينها إيران ومصر وتونس والجزائر والأرجنتين وهولندا. ويُعرض حالياً في قاعات السينما الفرنسية.
فيلم «الراوند/الروندة 13» هو فيلم تونسي للمخرج والممثل محمد علي النهدي، من إنتاج مالك كشباطي، وسيناريو صوفي حواص. وقد أُهدي إلى عائلات فقدت أبناءها بعد صراع طويل مع مرض السرطان، وخُصصت 10 في المئة من أرباحه لفائدة جمعية مرضى السرطان.
من هو الممثل والمخرج محمد علي النهدي؟
- ترعرع المخرج محمد علي النهدي في وسط فني، فوالده هو الممثل المسرحي لمين النهدي، الملقب بملك الكوميديا في تونس، ووالدته الفنانة المسرحية والاستعراضية سعاد محاسن.
- درس محمد علي النهدي السينما، وتخصص في المونتاج في مدارس فرنسا، كما تلقى تدريبات عديدة في أمريكا.
- اشتغل محمد علي النهدي أمام الكاميرا وخلفها، وشارك في أفلام تونسية وعالمية، وأخرج أفلاماً قصيرة عديدة وفيلمين طويلين. ويعد فيلم «الروندة 13» ثاني فيلم روائي طويل أخرجه محمد علي النهدي بعد فيلم «معز الطريق الأسود».
اقرأ أيضاً: خيام وازدحام من أجل ساعة!
2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا
ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟
داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!
قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد
هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026
اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026
أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة
الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟
بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية
