تغادر الأرقام برودتها حين نكتشف أن كل عدد هو حياة انطفأت، هذا ما يكشفه تقرير جديد لمنظمة “إنكويست” البريطانية عن أوضاع النساء في السجون في إنجلترا وويلز، مستنداً إلى بيانات وزارة العدل ومنشوراً في صحيفة الغارديان.. يشير التقرير إلى وفاة 97 امرأة خلال عقد واحد، في وقت وصلت فيه محاولات إيذاء النفس بين السجينات إلى مستوى قياسي. خلف هذه الأرقام نظام لا ينجح في حماية أكثر من هم بحاجة إلى الحماية.
الصحة النفسية في السجون النسائية
يوضح التقرير أن الصحة النفسية في السجون النسائية تمثل أزمة حقيقية لا تفصيلاً إدارياً، معدلات إيذاء النفس لدى النساء في السجون البريطانية تجاوزت ستة آلاف واقعة لكل ألف سجينة خلال عام واحد، أي أن بعض النساء يكررن المحاولة أكثر من مرة، مقارنة بنحو بضع مئات من الحالات لكل ألف سجين من الرجال، رغم أن النساء لا يشكلن سوى نحو 4٪ من إجمالي عدد السجناء. وهذا التفاوت الحاد يعكس بيئة لا تراعي هشاشة السجينات ولا تاريخهن مع الصدمة والعنف.
تظهر تقارير صحفية أخرى أن الصورة تتكرر في أماكن مختلفة من العالم؛ فدراسة تناولتها الغارديان حول السجون الأمريكية تشير إلى أن نحو ثلاثة أرباع السجينات يعانين شكلاً من أشكال الاضطرابات النفسية، وهي نسبة أعلى من السجناء الرجال.
وهذا يعني أن أنظمة العقاب التقليدية تستقبل أصلاً نساء مثقلات بعبء نفسي كبير، ثم تضيف إليه عزلة وقسوة تجعل الصحة النفسية في السجون النسائية أكثر هشاشة وخطورة.
السجون النسائية: أرقام صادمة وراء الجدران!
لا يقف التقرير عند الإحصاءات، بل يستعرض أمثلة لنساء كانت إشارات الخطر واضحة في قصصهن. بعضهن سلّمن مذكرات تشرح نواياهن بالانتحار، أو أبلغت عائلاتهن الجهات المسؤولة عن تدهور حالتهن، ومع ذلك لم تُتخذ خطوات كافية.
ويتناول التقرير أيضاً حالات أُهملت فيها متابعة الأمراض الجسدية، أو لم يُستجب فيها لنداءات الطوارئ من الزنازين بالسرعة المطلوبة، ما أدى إلى وفيات كان يمكن تفاديها.
وتزداد الصورة قتامة عند النظر إلى أوضاع النساء الحوامل في السجون؛ فبيانات حصلت عليها صحفية الغارديان من عدد من مؤسسات الصحة البريطانية أظهرت أن النساء الحوامل في السجون أكثر عرضة بعدة مرات لفقدان أجنتهن أو ولادة أطفال بوزن منخفض، مقارنة ببقية المجتمع. هذه المعطيات تطرح سؤالاً أخلاقياً وقانونياً حول جدوى سجن النساء الحوامل من الأساس، في بيئة تهدد حياتهن وحياة أطفالهن.
لماذا تفشل العقوبة وحدها
يشير تقرير “إنكويست” إلى أن كثيراً من السجينات حوكمن بسبب مخالفات منخفضة الخطورة، كثير منها مرتبط بالفقر، أو الإدمان، أو الهروب من عنف منزلي متكرر. أكثر من نصفهن مررن بتجارب عنف أسري، ونسبة كبيرة يعانين من صدمات نفسية أو احتياجات علاجية لم تُلبَّ قبل دخول السجن.
حين تدخل هذه الخلفيات إلى نظام عقابي صارم، تصبح الصحة النفسية في السجون النسائية أول ضحايا هذا التداخل بين الفقر والعنف والمرض النفسي والعزلة.
إلى جانب ذلك، تحمل الأمومة عبئاً إضافياً. كثير من السجينات أمهات لأطفال صغار، والانفصال القسري عن الأبناء يتحول إلى مصدر مستمر للذنب والقلق والخوف على مستقبل العائلة. في هذا السياق، قد يصبح إيذاء النفس محاولة يائسة للسيطرة على واقع لا يُحتمل، لا مجرد سلوك فردي يُدان أخلاقياً. هنا تبدو السجون، خصوصاً للنساء، أماكن تعيد إنتاج الأذى النفسي بدلاً من الحدّ منه.
بدائل مجتمعية ممكنة الآن
استناداً إلى هذه المعطيات، تدعو “إنكويست” إلى خطة بعيدة المدى لإغلاق السجون النسائية، والتحول إلى بدائل مجتمعية تركّز على العلاج والدعم وإعادة التأهيل. تشمل هذه البدائل برامج عقوبات مجتمعية، ومراكز إيواء ودعم للناجيات من العنف المنزلي، ووحدات علاج للإدمان خارج السجن، مع رقابة قضائية تضمن المتابعة من دون عزل النساء عن أسرهن.
مثل هذا النهج يجعل الصحة النفسية في السجون النسائية – أو خارجها – جزءاً من سياسة عامة للوقاية، لا مجرد محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد وقوع الكارثة.
من جهتها، تتحدث الحكومة البريطانية عن إنشاء مجلس للعدالة الخاصة بالنساء، والتوسع في الأحكام المجتمعية لتقليل أعداد السجينات. غير أن استمرار الوفيات وارتفاع معدلات إيذاء النفس يشير إلى فجوة بين الخطاب والواقع، وإلى بطء في تنفيذ التوصيات المتكررة التي صدرت خلال السنوات الماضية عن لجان وتقارير رسمية متعددة.
ما لم يُترجم هذا الاعتراف إلى موارد إضافية، وتدريب متخصص، وتغيير حقيقي في فلسفة العقاب، ستبقى الصحة النفسية في السجون النسائية عرضة للتجاهل.
ختاماً، يذكّرنا هذا الملف بأن كل رقم في جداول الوفيات ومحاولات الانتحار هو قصة إنسانية كان يمكن أن تسير في اتجاه آخر لو توفرت حماية ورعاية مبكرة. التعامل الجاد مع أزمة الصحة النفسية في السجون النسائية، وتوسيع البدائل المجتمعية، ومحاسبة المؤسسات التي تتجاهل إشارات الخطر، ليست ترفاً حقوقياً، بل شرطاً أساسياً لنظام عدالة يسعى فعلاً إلى الإصلاح لا إلى إنتاج مزيد من الألم.
اقرأ أيضاً: يُستأصل بالسهو: من يملك القرار في رحم النساء؟