تواجه الحكومة البريطانية ضغوط متزايدة قبيل عرض ميزانيتها المقرر في 28 أكتوبر القادم، نتيجةً لارتفاع تكاليف الاقتراض العام وسط موجة بيع عالمية للسندات. ويحذر خبراء الاقتصاد من أنه إذا استمر هذا الاتجاه خلال فصل الخريف، فقد يقلص هامش المناورة المتاح للحكومة لتحقيق أهدافها المالية إلى النصف بشكل تقريبي، في وقت تسعى فيه الحكومة جاهدة للسيطرة على الإنفاق وكبح جماح غلاء المعيشة. ويأتي هذا في ظل توقعات متزايدة للتضخم وأسعار الطاقة، مما يزيد من تعقيد الأمور بالنسبة لوزارة الخزانة.
عوائد السندات عند مستويات مرتفعة
بلغ عائد السندات الحكومية البريطانية طويلة الأجل أعلى مستوياته منذ أواخر التسعينيات، حيث باع المستثمرون السندات الحكومية وسط مخاوف متزايدة بشأن التضخم وأسعار الفائدة.
وصل عائد السندات البريطانية لأجل 30 عاماً إلى 5.89% في وقت ما خلال الجلسة قبل أن يستقر عند حوالي 5.85%. كما ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى ما يقرب من 5.25%، وهو أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. يشير ارتفاع العائدات إلى زيادة في تكلفة تمويل الدين العام، مما قد يؤثر بشكل مباشر على توقعات مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) لميزانية أكتوبر.
تتقلص مساحة المناورة المالية حسب كبير الاقتصاديين البريطانيين، إذا بقيت العائدات عند مستويات يوم الثلاثاء، فإن مساحة المناورة الحكومية، مقارنةً بالقاعدة المالية الحالية، قد تتقلص من حوالي 26 مليار جنيه إسترليني في توقعات الربيع إلى حوالي 13.8 مليار جنيه إسترليني. ويعود معظم هذا الانخفاض إلى زيادة تكلفة خدمة الدين الحكومي، وليس إلى انخفاض كبير في الإيرادات. وقد افترضت توقعات مكتب مسؤولية الميزانية في مارس أن تصل عائدات السندات إلى حوالي 5.1% لهذا العام، وهو مستوى أقل من المعدلات الحالية.
يعتقد أيضاً، أن الحكومة قد تحاول الحفاظ على هامش أمان لا يقل عن 10 مليارات جنيه إسترليني لطمأنة الأسواق بشأن التزامها بالانضباط المالي، في حين أن هامش قدره 15 مليار جنيه إسترليني سيكون أكثر ملاءمة.
اقرأ أيضاً: ملايين الجنيهات الاسترلينية لحاملي هذه السندات
ضغوط عالمية تتجاوز بريطانيا
لا يقتصر تراجع سوق السندات البريطانية على العوامل المحلية فحسب، بل هو جزء من تحركات أوسع في أسواق السندات العالمية. فقد بلغت عوائد السندات اليابانية لأجل عشر سنوات أعلى مستوياتها منذ تسعينيات القرن الماضي، وسط توقعات بأن يرفع بنك اليابان أسعار الفائدة لمكافحة التضخم.
كما ساهم ارتفاع أسعار النفط في زيادة الضغط على توقعات التضخم، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو 3.8% لتصل إلى ما يقارب 94 دولار للبرميل، بالتزامن مع استئناف الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران. ويهدد ارتفاع تكاليف الطاقة بتأجيج التضخم، مما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة طويلة.
ويرى أحد كبار الاقتصاديين أيضاً، أن أسواق السندات تواجه “عاصفة كاملة” من عدم اليقين المالي، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتزايد توقعات أسعار الفائدة. هذه التطورات بالغة الأهمية لميزانية المملكة المتحدة، إذ يعتمد مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) في توقعاته على توقعات السوق لعوائد السندات خلال فترة مرجعية مدتها أسبوعان. وإذا تزامنت هذه الفترة مع الارتفاع الحالي في العوائد، فقد تجد الحكومة نفسها أمام هامش مالي أقل بكثير لتنفيذ خطط الإنفاق الجديدة.
لذا، لا تكمن المشكلة في ارتفاع تكلفة الاقتراض فحسب، بل في احتمال أن يؤدي استمرار ارتفاع العوائد إلى تقييد خيارات الحكومة بشكل مباشر في ميزانية أكتوبر، في ظل سعيها لتحقيق التوازن بين دعم الأسر، وإدارة الدين، والحفاظ على ثقة المستثمرين.