الكاتب: أحمد علي
رجل يقف على حافة سطح مركز تجاري في جنوب لندن مقتنعاً أن القفز هو المخرج الوحيد من خوفه، وفي مكان آخر عائلة تنتظر خارج غرفة طبيب وتحاول فهم كيف تبدّل ابنها منذ أن صار القنب رفيق سهرته.. بين هذه الحكايات تقف عيادة صغيرة لمرضى الذهان ممن يستخدمون القنب، تحاول أن تعيد أصحابها من حافة الانهيار إلى حياة أكثر استقراراً، وتفتح أمامنا سؤالاً حاداً: ماذا يحدث حين تتحول هذه النبتة إلى جزء من قصة الذهان؟
القنب والذهان: صورة قريبة
مصطلح القنب والذهان لم يعد تعبيراً نظرياً، في عيادة «Cannabis Clinic for Patients with Psychosis» في دنمارك هيل جنوب لندن يروي المرضى كيف بدأت الحكاية بسيجارة مع الأصدقاء، ثم جاء الشك، والأرق، والانسحاب من العائلة والعمل، قبل أن تظهر الهلاوس والضلالات.
ونشرت صحيفة الغارديان تقريراً ميدانياً ينقل قصصاً لشباب ربطوا بوضوح بين تدهور حالتهم النفسية وتعاطي القنب عالي الفعالية، ويتحدث عن عيادة لا تستقبل سوى 16 مريضاً في الوقت نفسه، لكنها تعالج الإدمان والاضطراب الذهاني معاً، لا كل واحد على حدة.
ما يميز هذه العيادة أن الفريق لا يكتفي بوصفة دواء ثم موعد بعد أشهر، بل يحيط المريض بدعم متكرر: جلسات فردية أسبوعية قد تمتد حتى عام كامل، مجموعات دعم عبر الإنترنت، ولقاءات شهرية غير رسمية يشترك فيها المرضى في أنشطة بسيطة تصرف الانتباه عن الرغبة في التعاطي، مثل إعداد «صناديق لمقاومة الشهوة» أو كتابة يوميات عن عدد السجائر وحالتهم قبلها وبعدها.
وبحسب الأرقام التي نقلها تقرير الغارديان، توقف نحو ثلاثة أرباع من أكملوا البرنامج عن استخدام القنب، وعاد أكثر من تسعة من كل عشرة إلى الدراسة أو العمل، ما يوضح أن التعامل المنظم مع هذه العلاقة بين المخدر والمرض يمكن أن يغيّر مسار حياة كاملة.
أرقام جديدة تقلق الأطباء
القصص الفردية تكتسب معنى أكبر حين تتكرر في الأبحاث، فدراسة متعددة المراكز نُشرت عام 2019 في مجلة Lancet Psychiatry، بقيادة البروفيسورة مارتا دي فورتّي من جامعة كينغز كوليدج لندن، وجدت أن الاستخدام اليومي للقنب يضاعف خطر الإصابة باضطراب ذهاني أولي نحو ثلاث مرات، وأن الأنواع عالية الفعالية ترفع الخطر إلى قرابة خمس مرات.
كما قدّرت أن حظر هذه الأنواع قد يمنع حوالي 12% من حالات الذهان الجديدة في 11 موقعاً أوروبياً، وترتفع النسبة إلى نحو 30% في لندن وحدها.
في المقابل، تُظهر بيانات «مكتب الإحصاءات الوطنية» في بريطانيا لعام 2024 أن القنب ما زال أكثر المخدرات استخداماً؛ فحوالي 6.8٪ من الأشخاص بين 16 و59 عاماً أقروا باستخدامه خلال السنة السابقة، مع نسبة ملحوظة من المستخدمين المتكررين أو اليوميين.
وهذا يعني أن عدداً كبيراً من الشباب والبالغين يتعرضون بانتظام لمستويات من القنب قد تكفي لزيادة خطر الذهان لدى من لديهم استعداد وراثي أو تاريخ نفسي هش، وهو ما يجعل القنب والذهان قضية صحة عامة لا موضوعاً هامشياً في نقاشات المخدرات.
دروس لقادة سياسات الصحة
هذه التجربة الميدانية تحمل رسالة واضحة لصناع القرار في الدول التي تناقش تنظيم القنب أو تشريع بعض استخداماته. حين تشير الأبحاث إلى أن أنماطاً بعينها من الاستهلاك – مثل القنب عالي الفعالية والاستخدام اليومي – ترتبط بزيادة ملموسة في حالات الذهان، يصبح من الصعب الحديث عن «تحرير السوق» دون التفكير في تكلفة القنب والذهان على أنظمة الصحة العامة.
المطلوب ليس منعاً مطلقاً ولا تشريعاً بلا قيود، بل سياسات متدرجة: تحذيرات واضحة بشأن الأنواع الأقوى، وخدمات متخصصة شبيهة بالعيادة اللندنية، وحملات توعية تشرح بلغة بسيطة كيف يمكن لعادات تبدو خفيفة أن تدفع بعض العقول إلى حافة الانهيار.
حماية الشباب من الخطر
الرسالة الأخيرة للجمهور أن ليس كل من يتعاطى القنب سيُصاب بالذهان، لكن تجاهل الرابط بين القنب والذهان يترك من هم أكثر هشاشة وحدهم في مواجهة الخطر. حماية الشباب تبدأ من حديث صادق في البيت والمدرسة عن التجارب الواقعية لا عن كليشيهات الوعظ؛ ومن إتاحة استشارات مبكرة لمن يشعر أن القنب بدأ يسيطر على نومه ومزاجه وعلاقاته؛ ومن تشجيع من تعافوا على مشاركة قصصهم، كما يفعل بعض مرضى العيادة اللندنية، ليؤكدوا أن الخروج من هذه الحلقة ممكن، لكنه يحتاج إلى شبكة دعم متماسكة أكثر مما يحتاج إلى لوم أو إنكار.
اقرأ أيضاً: شمال غرب لندن تعدُّ روبوتات بمهام بشرية.. هل يمكن الوثوق بها؟