سجن جديد وخلايا فارغة: لماذا تعجز بريطانيا عن تشغيل منشأة كلّفت 400 مليون جنيه؟
تابعونا على:

سياسة

سجن جديد وخلايا فارغة: لماذا تعجز بريطانيا عن تشغيل منشأة كلّفت 400 مليون جنيه؟

نشر

في

468 مشاهدة

سجن جديد وخلايا فارغة: لماذا تعجز بريطانيا عن تشغيل منشأة كلّفت 400 مليون جنيه؟

يفترض أن يكون سجن «HMP Millsike» قرب يورك جزءاً من حل أزمة اكتظاظ السجون في إنجلترا وويلز. المنشأة الجديدة كلفت نحو 400 مليون جنيه إسترليني وصممت لاستيعاب قرابة 1468 سجيناً، لكن عدد نزلائها في أغسطس يدور حول 1100، ما يترك نحو 344 إلى 350 مكاناً غير مستخدم. المفارقة تأتي بينما تضطر الحكومة إلى إصلاح نظام الأحكام والإفراج المبكر وتوسيع السعة لأن المنظومة اقتربت مراراً من نفاد الأماكن.

الخلايا الفارغة (فضلنا استخدام ترجمة خلايا بدلاً من زنازين لأنها الأقرب للواقعية في هذا السياق) هنا لا تعني أن بريطانيا تملك فائضاً جاهزاً وتختار عدم استخدامه. وزارة العدل تقول إن زيادة عدد السجناء في أي منشأة جديدة تتم تدريجياً وفق عوامل تشمل التوظيف والسلامة واستقرار النظام اليومي. «ميتـي Mitie»، الشركة الخاصة التي تدير السجن، تقول بدورها إن التشغيل يسير وفق خطة تصاعدية متفق عليها مع الوزارة. المشكلة أن الخطة تأخرت عن موعد سابق كانت الحكومة قد وضعته، وأن تقارير المراقبين كشفت أن تشغيل المبنى بكامل طاقته يحتاج إلى أكثر من مجرد فتح أبواب الخلايا.

سجن جديد بلا طاقة تشغيلية كاملة

استقبل ميلسايك أول سجناءه في 23 أبريل 2025. وفي يوليو من العام نفسه أجابت الحكومة مجلس اللوردات بأن السجن سيزيد أعداده تدريجياً ويُفترض أن يصل إلى كامل طاقته بحلول ربيع 2026، مع إمكان إبطاء العملية أو وقفها إذا تطلبت السلامة والاستقرار ذلك. انتهى الربيع وبقيت مئات الأماكن خارج الاستخدام. هذا لا يثبت إهداراً في البناء نفسه، لكنه يبين أن تقدير سرعة الانتقال من منشأة مكتملة إلى سجن يعمل بكامل نظامه كان متفائلاً.

السجن من الفئة «C» ومصمم على نموذج مختلف عن كثير من السجون القديمة. خلاياه تحتوي على حمامات ودش داخلي ونوافذ بلا قضبان تقليدية، ولديه 16 ورشة تدريب ومساحات للتعليم والعمل والرياضة والزراعة. الفكرة أن تكون المنشأة قادرة على تأهيل السجين وتقليل العودة إلى الجريمة، لا أن تكون مخزناً للأشخاص فقط. هذه الخدمات نفسها تحتاج إلى موظفين ومدربين وحركة داخلية منظمة وحماية وأبواب تعمل وفق إجراءات دقيقة.

عندما ينقص الكادر يصبح توسيع عدد النزلاء مخاطرة. نقلت تقارير بريطانية عن مصدر في قطاع السجون أن ميلسايك وصل إلى عدد الموظفين الذي يستطيع معه العمل بأمان عند عدد سجناء أقل من التصميم، وأن المشكلة تشبه ما تواجهه سجون أخرى، يتم تجنيد أشخاص وتدريبهم ثم يغادر بعضهم. لا تنشر إحصاءات HMPPS الحكومية أعداد موظفي ميلسايك بالتفصيل لأنه سجن خاص، ولذلك لا يمكن استخراج عجزه العددي من بيانات الخدمة العامة.

يمكن استخدام بيانات القطاع العام كخلفية فقط. في نهاية مارس 2026 كان لدى HMPPS نحو 21984 موظف سجون من الدرجات 3 إلى 5 في السجون العامة، بانخفاض 732 موظفاً أو 3.2% عن العام السابق، فيما بلغ معدل المغادرة لهذه الدرجات 9.8% خلال اثني عشر شهراً. هذه الأرقام لا تشمل موظفي ميتـي في ميلسايك، لكنها تظهر أن المنافسة على الكوادر والخبرة ليست مشكلة محلية في منشأة واحدة.

السلامة عطلت التوسع

التحذير الأشد جاء من مجلس المراقبة المستقل Independent Monitoring Board، وهو جهاز رقابي له وصول مباشر إلى السجون. في 16 يناير 2026 أعلن المجلس أنه صعد مخاوفه إلى وزير السجون بسبب اتساع المشكلات التي رصدها منذ افتتاح ميلسايك. وأشار إلى أن وزارة العدل نفسها تقبل بأن السجون الجديدة قد تحتاج سنوات كي تستقر، وهو ما رأى المجلس أنه يترك آثاراً سيئة على سلامة السجناء وظروفهم.

التفاصيل التي ظهرت في خطاب المجلس وصحافة السجون كانت عملية جداً. مراقبون قالوا إنهم أصبحوا يتحركون في أزواج لشعورهم بعدم الأمان في الأجنحة، وسجلوا أبواباً وبوابات تُترك مفتوحة وعدم اتساق في إجراءات الإغلاق، وارتفاعاً في العنف وإيذاء النفس، وتأخراً في عمليات العد ووصول السجناء إلى الرعاية والأنشطة. كما أثيرت مشكلة سهولة وصول المخدرات. المجلس نفسه نبه إلى أن خطابه لم يمر آنذاك بعملية التدقيق الرسمي الكاملة التي تسبق التقرير السنوي، ولذلك يجب التعامل معه كرأي رقابي موثق لا كحكم قضائي نهائي.

ميتـي ردت بأنها تأخذ المخاوف بجدية وأن فتح سجن جديد عملية كبيرة تكون فيها التحديات المبكرة متوقعة، وأنها تعمل وفق تصاعد سكاني محسوب. وأنشأت الشركة هيئة مراجعة مستقلة تضم خبراء سابقين في السجون والعدالة. هذا الرد يشرح لماذا لا تريد الإدارة ملء الخلايا بسرعة، لكنه لا يلغي السؤال عن سبب وصول منشأة بُنيت لتخفيف أزمة وطنية إلى مرحلة تحتاج فيها السلامة إلى إبقاء قرابة ربع سعتها خارج التشغيل بعد أكثر من عام على استقبال أول سجناءها.

السجن لا يعمل مثل فندق يمكن ملء غرفه بمجرد أن يصبح المبنى جاهزاً. لكل زيادة في عدد السجناء أثر على نسبة الحراسة، والعيادة، والزيارات، والمطابخ، والورش، وفترات الخروج من الخلايا، ونقل النزلاء، والاستجابة للعنف. إذا ارتفع العدد قبل نضج هذه الأنظمة قد يتحول المكان الجديد إلى سجن مكتظ بنوعية تشغيل أسوأ، فتضيع الفكرة التي أنفق عليها المال.

أزمة بناء أم أزمة قوة عاملة؟

مشكلة ميلسايك تكشف قصوراً في النظر إلى أزمة السجون بوصفها أزمة مبانٍ فقط. الحكومة تضع خطة لإضافة 14 ألف مكان بحلول 2031، وتستثمر 4.7 مليارات جنيه في مشاريع البناء خلال سنوات المراجعة الحالية. هذه السعة مطلوبة لأن السجون القديمة اقتربت من حدودها القصوى. لكن كل ألف خلية جديدة يخلق طلباً دائماً على مئات الموظفين في الحراسة والصحة والتعليم والصيانة، وإذا لم ينمُ سوق العمل بالسرعة نفسها تصبح السعة الهندسية أكبر من السعة التشغيلية.

الموقع نفسه كان موضع نقاش قبل الافتتاح. تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» في 2025 أشار إلى مخاوف من قدرة منطقة ريفية قرب Full Sutton على جذب مئات الموظفين، وإلى وظائف بقيت شاغرة قبل التشغيل. اختيار أرض مملوكة للدولة قرب سجن قائم خفض بعض تعقيدات العقار، لكنه لم يخلق تلقائياً سوقاً محلية واسعة من ضباط السجون والممرضين والمدربين. الموقع الذي يسهل بناء السجن عليه قد يكون أصعب في استقطاب القوة العاملة التي تشغله.

القطاع الخاص لا يلغي المشكلة. عقد تشغيل ميلسايك مع ميتـي وضع شركة جديدة نسبياً على إدارة السجون أمام مهمة تجنيد وتدريب قوة كبيرة بسرعة. ميزة العقد الخاص أن الحكومة تستطيع تحديد معايير ومحاسبة المشغل على الأداء، لكن المشغل يعمل في سوق العمل نفسه ويتنافس على المهارات نفسها. إذا كانت الأجور والضغط النفسي وظروف المناوبات لا تجذب الموظفين أو لا تحتفظ بهم، لن يحل شكل الملكية هذه المعضلة.

وجود خلايا فارغة يثير غضباً إضافياً عندما تقرأه الأسر بالتوازي مع الإفراج المبكر عن محكومين لتخفيف الضغط. لكن المقارنة المباشرة ناقصة. نقل مئات السجناء إلى ميلسايك يحتاج إلى فئة أمنية مناسبة وكادر قادر على تشغيل الأجنحة وخدمات تكفي العدد. فتح الخلية من دون تلك الشروط قد يزيد الاعتداءات أو يطيل الحبس داخل الغرفة ويخفض برامج التأهيل، وهو ما يضر بالأمن الذي يفترض أن يحققه السجن.

الـ400 مليون جنيه اشترت بريطانيا مبنى وسعة مادية حديثة، لكنها لم تشتر قوة عمل جاهزة. هذا هو الدرس الأوضح من ميلسايك. إذا أرادت الحكومة أن تصبح 344 خلية مكاناً حقيقياً في النظام، تحتاج إلى تحسين التجنيد والاحتفاظ بالموظفين، وتثبيت إجراءات الأمن، وتقليل العنف والمخدرات، وضمان أن التعليم والرعاية يعملان مع ارتفاع السكان. بعدها يصبح ملء السجن جزءاً من حل الأزمة. قبل ذلك، تكون الخلية الفارغة دليلاً على أن أزمة السجون انتقلت من نقص الجدران إلى نقص القدرة على تشغيل ما بُني.

اقرأ أيضاً: بريطانيا: عشرون عاماً في السجن بسبب تهديد بمسدس ألعاب!

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا
سياسةساعتين منذ

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟
علوم وتكنولوجيا4 ساعات منذ

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!
مال وأعماليوم واحد منذ

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد
سياسةيوم واحد منذ

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026
رياضةيوم واحد منذ

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026
مال وأعماليومين منذ

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة
رياضةيومين منذ

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟
أخبار لندن3 أيام منذ

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية
مال وأعمال3 أيام منذ

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
سياسة3 أيام منذ

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
















X