تثير مهنة المواد البشرية (HR) جدلاً واسعاً في بريطانيا، وفي آخر مستجدات مجتمع هذه المهنة، أثارت حادثة في حفل لفرقة “كولدبلاي – Coldplay ” الكثير من التساؤلات حول طبيعة هذه المهنة وكفاءة العاملين فيها.
تفاصيل الحادثة
التقطت إحدى الكاميرات المديرة التنفيذية لشؤون الأفراد في شركة “أسترونومر – Astronomer “، كريستين كابوت “Kristin Cabot” في وضع غير ملائم مع رئيسها آندي بايرون “Andy Byron”، وهو رجل متزوج، وسرعان ما انتشر فيديو الحادثة بشكل واسع ليحصد أكثر من 125 مليون مشاهدة، ونتيجة ذلك استقال كلاهما على الفور.
ولكن لم تقف الأمور هناك، حيث أن هذه الحادثة أثارت الكثير من الجدل والسخرية من نفاق مسؤولي الموارد البشرية، خاصةً وأن كريستين كابوت نفسها قد تكون شاركت في وضع سياسات السلوك في الشركة.
تحول جذري في طبيعة الموارد البشرية
منذ نشأتها لم تكن الموارد البشرية مهنة محبوبة، وذلك بسبب تعاملها مع المشاكل والخلافات، إلا أن الخبراء والمختصين في هذا المجال يرون أن هناك تحولاً كبيراً يحدث في القطاع، فلم تعد مقتصرة على شؤون الموظفين، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مجال يسعى إلى التغيير الاجتماعي.
وفي هذا الصدد، ساهمت أحداث مثل مقتل جورج فلويد وجائحة كوفيد-19 في تعزيز هذا التوجه، مما أدى إلى انتشار سياسات الرفاهية، والتدريب على مكافحة العنصرية، واستراتيجيات التنوع والمساواة والشمول (DEI).
كما ويعتقد العديد من الخبراء، بحسب صحيفة تلغراف البريطانية، أن هذا التحول جعل الموارد البشرية تركز بشكل أكبر على أفكار وسلوك الموظفين، بدلاً من جعلهم سعداء ومنتجين.
وقد أدى هذا التوسع إلى تضخم القطاع، حيث زاد عدد العاملين في الموارد البشرية في بريطانيا بنسبة 83% منذ عام 2011، ليتجاوز عددهم بذلك أطباء هيئة الخدمات الصحية الوطنية بثلاثة أضعاف.
أسباب النمو والتأثير السلبي
في مقال مؤثر، حذرت “باميلا داو – Pamela Dow”، موظفة حكومية سابقة، من أن نمو حجم وصلاحيات مهنة الموارد البشرية قد يسبب ضرراً للأفراد والمنظمات والاقتصاد. وأوضحت أن أحد أسباب هذا النمو السريع هو الفائض في خريجي الجامعات في تخصصات مثل علم النفس والعلوم السياسية، الذين يرون في الموارد البشرية وسيلة للتغيير الاجتماعي.
كما تشير داو إلى أن جائحة كورونا قد وفرت أرضاً خصبة لزيادة نفوذ الموارد البشرية، حيث أصبحت تتدخل في تفاصيل العمل اليومية مثل “سياسة سلوك المصعد” بعد كوفيد، منوهة إلى أن عبارات مثل “كن لطيفاً” و”أحضر شخصيتك الكاملة إلى العمل” تعتبر كذباً، لأنها لا تطبق على الجميع، وخاصة أولئك الذين يحملون آراء محافظة.
مشاكل الموارد البشرية: الانفصال عن الواقع والمحسوبية
وصفت الخبيرة تانيا دي جرونوالد “Tanya de Grunwald”، مهنة الموارد البشرية بأنها تتكون من 90% من النساء الشابات من الطبقة الوسطى اللواتي يملن إلى اليسار، مشيرة إلى أن هذا الاتجاه العام والموحد يجعل العاملين في الموارد البشرية منفصلين عن غالبية القوى العاملة، التي تشغل تفكيرها قضايا أساسية مثل الأجور وساعات العمل واستقرار الوظيفة.
كما انتقدت دي جرونوالد، بحسب ما أوردت صحيفة تلغراف، التناقضات الداخلية في هذا المجال، مثل قيام شركة كبرى بالإعلان عن وظيفة في مجال التنوع والشمول براتب مرتفع، بينما تستمر في دفع أجور منخفضة لعمال التوصيل. وأوضحت أن بعض مبادرات التنوع هي مجرد تغييرات ظاهرية مثل توزيع شارات قوس قزح، وذلك لتجنب التغييرات الحقيقية المكلفة مثل جعل مكان العمل متاحاً لذوي الإعاقة.
إضافة إلى ذلك، أصبح التحيز السياسي واضحاً في كيفية تعامل قسم الموارد البشرية مع القضايا الداخلية، فعلى سبيل المثال، قضية كارل بورج-نيال، وهو مدير في بنك لويدز “Lloyd’s Bank” تم فصله بعد أن استخدم كلمة عنصرية في تدريب لمكافحة العنصرية، وعلى الرغم من فوزه بدعوى الفصل التعسفي التي كبدت البنك خسائر مالية كبيرة، إلا أن الحادثة كشفت عن فشل الموارد البشرية في التعامل بحيادية مع التظلمات.
دور المعهد المعتمد لشؤون الأفراد والتنمية (CIPD)
أشار بعض النقاد إلى أن المعهد المعتمد لشؤون الأفراد والتنمية (CIPD)، والذي هو الهيئة التدريبية الرائدة في بريطانيا، أصبح يقدم نصائح غير فعالة في قضايا هامة مثل نظام العمل الهجين، والذي لا يتناسب مع غالبية القوى العاملة في مجالات الرعاية الصحية والتجزئة والضيافة.
اقرأ أيضاً: أهم الجامعات لدراسة تخصص الموارد البشرية في بريطانيا
في الختام، تُعاني المنظمات من نقص في القيادة القوية، حيث يخاف القادة القدماء من الخريجين الشباب ذوي الأفكار الجديدة، مما يدفعهم إلى الصمت، كما أن هذه المهنة فقدت هدفها الأساسي المتمثل في جعل الموظفين منتجين قدر الإمكان، وتحولت إلى ما يشبه “الخلايا المتطرفة الصغيرة” التي تخلق المشاكل بدلاً من حلها.